تحليل

كيف نبني اقتصادًا أقل اعتمادًا على النقد؟

0مشاهدة

كيف نبني اقتصادًا أقل اعتمادًا على النقد؟ من تشخيص أزمة السيولة إلى تصميم دورة مالية تستطيع أن تعمل عندما يصبح الكاش محدودًا ندى شارف علي جقر وحدة التحليل والتحرير – INKAI Deep Dive

في المقال الأول من هذه السلسلة، لم تكن النقطة الأساسية أن النقد أصبح مشكلة ينبغي التخلص منها، بل أن أزمة السيولة كشفت هشاشة اقتصاد يعتمد على النقد في معاملاته أكثر مما ينبغي. فالاقتصاد قد يمتلك المال، لكنه لا يكتسب قيمته الاقتصادية الكاملة إذا تعذر نقله بسلاسة، أو إذا اضطر التاجر لتحويل رصيده إلى نقد قبل شراء بضاعته، أو احتاج المورد للكاش لدفع أجور عماله. هنا يصبح الانتقال من سؤال «هل نحتاج مزيدًا من النقد؟» إلى «كيف نبني اقتصادًا يتحرك حتى عندما يكون النقد محدودًا؟» انتقالًا طبيعيًا وضروريًا.

السؤال يبدو تقنيًا للوهلة الأولى، لكنه في جوهره سؤال مؤسسي. فالدفع الرقمي لا يخلق اقتصادًا مرنًا بمجرد توفر تطبيق؛ القيمة الحقيقية تظهر عندما ينتقل المال رقميًا في سلسلة متصلة: من المواطن للتاجر، للمورد، للعامل، دون الحاجة لتحويل الرصيد إلى نقد في كل محطة. وإذا توقفت هذه السلسلة عند أي نقطة بسبب رفض التاجر أو عجز المورد عن استخدام رصيده، فإن الرقمنة هنا تكون قد غيرت شكل المعاملة فقط ولم تعالج جوهر الاعتماد على النقد.

لذا، يجب النظر للمسألة كدورة مالية متكاملة. فالحساب المصرفي والتطبيق لا يكفيان إذا ظلت الأموال غير قابلة للاستخدام في المرحلة التالية. الاقتصاد المرن يحتاج لشبكة تسمح للمال بالدخول والتحرك والسداد بسهولة، مع وجود خيار معقول للتحول للنقد عند الضرورة الحقيقية. الهدف ليس «اقتصادًا بلا نقد»، بل اقتصاد لا يتوقف نشاطه عند انخفاض السيولة المادية.

وتكشف التجربة السودانية خلال الحرب أهمية هذا الفرق؛ حيث تعطلت البنية المصرفية وانخفضت السيولة، فبرزت القنوات الرقمية (مثل تطبيق بنكك) كوسيلة حيوية للوصول للأموال ودفع قيمة السلع. ومع ذلك، كشفت التجربة حدود الحل الرقمي المنعزل؛ فغياب النظام المتكامل جعل البعض يضطر لدفع رسوم سحب غير رسمية مرتفعة للحصول على الكاش، مما يؤكد أن بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد يتطلب فهم الوظائف التي تؤديها الشبكات غير الرسمية (كالحوالات والائتمان المحلي) وبناء بدائل رسمية توفر ذات الثقة والكفاءة.

وهنا تبرز أهمية «شبكة الوكلاء». ففي البيئات التي تفتقر للفروع، يحتاج المواطن لنقطة قريبة للإيداع أو السحب عند الضرورة. والمفارقة هنا هي: كلما أردنا تقليل استخدام النقد، احتجنا لشبكة قوية لتحويله إلى أموال رقمية والعكس. لذا، تعد شبكات (Cash-in/Cash-out) جزءًا أصيلًا من الانتقال الرقمي وليست مرحلة مؤقتة.

لكن الوكلاء وحدهم لا يكفون؛ بل يجب أن يصبح التاجر ركيزة في التصميم. فإذا سحب الموظف راتبه كاملًا لأن متجر الحي لا يقبل التحويل، نكون قد عدنا لنقطة الصفر. يحتاج التاجر لوسيلة دفع بسيطة، تكلفة معقولة، وتسوية سريعة تمكنه من دفع مورديه رقميًا. المعاملة الرقمية لا تكتمل قيمتها إلا إذا استطاع المستلم استخدامها في معاملته التالية؛ فمعيار النجاح ليس عدد الحسابات المفتوحة، بل مقدار الأموال التي تدور داخل النظام قبل أن تضطر للخروج منه ككاش.

من هذا المنطلق، يمثل «الراتب» أو «التحويل الخارجي» نقطة دخول استراتيجية. إذا دخل المال لحساب قابل للاستخدام في شبكة واسعة من التجار والموردين، تحول الحساب من مخزن للمال إلى محرك للدورة الاقتصادية. وهنا يجب ألا نبدأ من التطبيق، بل من «دورة المال»: أين يدخل؟ وأين يتحول لنقد ولماذا؟ عندها يصبح التطبيق أداة، سواء عبر الهواتف الذكية أو تقنيات بسيطة مثل (USSD) لتفادي إقصاء المناطق التي تعاني من ضعف الإنترنت.

إن بناء هذا النظام يتطلب ما هو أبعد من التكنولوجيا؛ يتطلب «الثقة». فالمواطن لن يحتفظ بماله رقميًا إذا خشي تعطل الوصول إليه، والتاجر لن يقبله إذا تأخرت التسوية. الثقة هنا نتيجة لجودة النظام؛ فكل فشل في معاملة أو غموض في الرسوم يدفع المستخدم للعودة للنقد. لذا، يجب وضع قواعد واضحة لحماية المستخدم وضمان سرعة استرداد الأموال عند الخطأ.

في الختام، تقليل الاعتماد على النقد ليس سياسة لإلغائه، بل لتقليل المرات التي يكون فيها النقد شرطًا لاستمرار الحياة. الاقتصاد المرن هو الذي يستخدم النقد حيث تكون له قيمة حقيقية، ويسمح لبقية الدورة بالتحرك رقميًا. الحل يبدأ عندما تصبح حركة المال مرنة: تدخل بسهولة، وتُقبل واسعًا، وتتوفر لها قنوات بديلة عند الأزمات. وهذا هو التحدي الذي يواجه المؤسسات المصرفية الجديدة: هل يمكنها بناء «منظومة دفع» متكاملة تربط أطراف الدورة المالية، بدلاً من مجرد تقديم تطبيق آخر؟ هذا ما سنناقشه في المقال القادم.

آراء القراء والمستمعين

التعليقات

0 تعليق

جارٍ تحميل التعليقات…

تابع إنكاي ديب دايفليصلك الجديد من التحليلات وحلقات البودكاست.